المقريزي

399

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

الكثيرة ، فأراد الإسكندروس كسر هذا الصنم فمنعه أهل الإسكندرية ، فاحتال عليهم وتلطف في حيلته إلى أن قرب العيد ، فجمع الناس ووعظهم وقبح عندهم عبادة الصنم وحثهم على تركه ، وأن يعمل هذا العيد لميكائيل رئيس الملائكة الذي يشفع فيهم عند الإله ، فإن ذلك خير من عمل العيد للصنم ، فلا يتغير عمل العيد الذي جرت عادة أهل البلد بعمله ، ولا تبطل ذبائحهم فيه ، فرضي الناس بهذا ووافقوه على كسر الصنم ، فكسره وأحرقه وعمل بيته كنيسة على اسم ميكائيل ، فلم تزل هذه الكنيسة بالإسكندرية إلى أن حرّقها جيوش الإمام المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ ، لما قدموا في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة واستمرّ عيد ميكائيل عند النصارى بديار مصر باقيا يعمل في كلّ سنة . وفي السنة الثانية والعشرين من ملك قسطنطين سارت أمّه هيلاني إلى القدس وبنت به كنائس للنصارى ، فدلها مقاريوس الأسقف على الصليب وعرّفها ما عملته اليهود ، فعاقبت كهنة اليهود حتى دلوها على الموضع ، فحفرته فإذا قبر وثلاث خشبات ، زعموا أنهم لم يعرفوا الصليب المطلوب من الثلاث خشبات إلّا بأن وضعت كل واحدة منها على ميت قد بلي ، فقام حيا عندما وضعت عليه خشبة منها ، فعملوا لذلك عيدا مدّة ثلاثة أيام عرف عندهم بعيد الصليب ، ومن حينئذ عبد النصارى الصليب ، وعملت له هيلاني غلافا من ذهب وبنت كنيسة القيامة التي تعرف اليوم بكنيسة قمامة ، وأقامت مقاريوس الأسقف على بناء بقية الكنائس ، وعادت إلى بلادها ، فكانت مدّة ما بين ولادة المسيح وظهور الصليب ثلاثمائة وثمان وعشرين سنة ، ثم قام في بطركية الإسكندرية بعد اسكندروس تلميذه ايناسيوس الرسوليّ ، فأقام ستا وأربعين سنة ومات بعد ما ابتلى بشدائد ، وغاب عن كرسيه ثلاث مرّات ، وفي أيامه جرت مناظرات طويلة مع أوسانيوس للأسقف آلت إلى ضربه وفراره ، فإنه تعصب لآريوس وقال : إنه لم يقل إن المسيح خلق الأشياء ، وإنما قال به خلق كل شيء لأنه كلمة اللّه التي بها خلق السماوات والأراض ، وإنما خلق اللّه تعالى جميع الأشياء بكلمته ، فالأشياء به كوّنت لا أنه كوّنها ، وإنما الثلاثمائة وثمانية عشر تعدّوا عليه ، وفي أيامه تنصر جماعة من اليهود وطعن بعضهم في التوراة التي بأيدي اليهود ، وأنهم نقصوا منها ، وأن الصحيحة هي التي فسرها السبعون ، فأمر قسطنطين اليهود بإحضارها ، وعاقبهم على ذلك حتى دلوه على موضعها بمصر ، فكتب بإحضارها فحملت إليه ، فإذا بينها وبين توراة اليهود نقص ألف وثلاثمائة وتسع وستين سنة ، زعموا أنهم نقصوها من مواليد من ذكر فيها لأجل المسيح ، وفي أيامه بعثت هيلاني بمال عظيم إلى مدينة الرها فبني به كنائسها العظيمة ، وأمر قسطنطين بإخراج اليهود من القدس وألزمهم بالدخول في دين النصرانية ، ومن امتنع منهم قتل ، فتنصر كثير منهم وامتنع أكثرهم فقتلوا ، ثم امتحن من تنصر منهم بأن جمعهم يوم الفسح في الكنيسة وأمرهم بأكل لحم الخنزير ، فأبى أكثرهم أن يأكل منه ، فقتل منهم في ذلك اليوم خلائق كثيرة جدّا .